الزركشي

79

البرهان

أثناء الصدر سمى توشيحا . سنة وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام سمى إيغالا ; وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على عجزه . والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية ، ودلالة التوشيح معنوية . * * * الأول : التمكين ; وهو أن يمهد قبلها ، تمهيدا تأتي به الفاصلة ممكنة في مكانها ، مستقرة في قرارها ، مطمئنة في موضعها ، غير نافذة ولا قلقة ، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما ; بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم . وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن ، فاشدد يديك به . ومن أمثلته قوله تعالى : * ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) * ، فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله : * ( وكفى الله المؤمنين القتال ) * لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التي حدثت كانت سبب رجوعهم ، ولم يبلغوا ما أرادوا ، وأن ذلك أمر اتفاقي ، فأخبر سبحانه في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين ، ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب الممتنع ، وأن حزبه كذلك ، وأن تلك الريح التي هبت ليست اتفاقا ; بل هي من إرساله سبحانه على أعدائه كعادته ; وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا وينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر ، وتارة بالريح كيوم الأحزاب ، وتارة بالرعب كبنى النضير ، وطورا ينصر عليهم كيوم أحد ، تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى شيئا ، وأن النصر من عنده ، كيوم حنين . ومنه قوله تعالى : * ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في